"صورة عن الوضع القائم- حقوق الإنسان في إسرائيل في العام 2009"
في صُلب تقرير جمعية حقوق المواطن معالجة لنزعة باتت تتعزّز في إسرائيل في السنة الأخيرة، تتمثّل في نموّ خطاب جماهيريّ (إلى حدّ الممارسة في بعض الأحيان) لاشتراط الحقوق: اشتراط بالواجبات، واشتراط بالقدرة الاقتصاديّة أو اشتراط بالانتماء (أو الانتماءات) لمجموعة معيّنة. هذا المنهج، الذي اقتادته -في بعض الحالات- شخصيّاتٌ جماهيريّة وصُنّاعُ قرار ووزراءُ وأعضاءٌ في الكنيست، يتعارض مع البديهيّات الأساسيّة لمفهوم حقوق الإنسان، تلك التي تقرّ بأنّ حقوق الإنسان كونيّة وعامّة، وأنّها من حقّ كلّ إنسان لكونه إنسانًا، ويُحظر اشتراطها باستيفاء الواجبات. من شأن هذه الاشتراطات أن تمسّ بالديمقراطيّة، وفي صلبها تقع الحاجة لضمان حقوق الإنسان ومنع إلحاق الأذى بالأقلّـيّة من قبل أغلبيّة طاغية.
يجري انتهاكُ الحقوق واشتراطُها بمستويات وتقنيّات عدّة. فهي في بعض الأحيان صريحة ومعلَنة، وبخاصّة عندما تُوجَّه نحو الأقلّـيّة. هذه هي حالة الأقلّـيّة العربيّة في إسرائيل. تَميّز العام المنصرم بموجة من التصريحات، ومشاريع القوانين والمبادرات العنصريّة التي تهدّد بالمساس بِحُرّيّة التعبير وحرّيّة النشاط السياسيّ وحرّيّة اللغة والثقافة لدى المواطنين العرب، وتشترط حصولهم على حقوقهم الأساسيّة في المساواة والتربية والتعليم والعمل -وحتّى مواطَنتهم- بتقديم الواجبات (كالخدمة العسكريّة أو القوميّة)، أو بتقبُّل الرواية الصهيونيّة وإثبات "الولاء". يبدو أنّ المواطن العربيّ -بالنسبة للكثيرين في صفوف اليهود والكثيرين من منتخَبيهم- لا يستحقّ المساواة وحماية حقوقه، إلاّ إن تنازل هذا المواطن عن هُويّته القوميّة وعن ثقافته وعن لغته وعن موروثه التاريخيّ.
وكذلك قد يكون اشتراط الحقوق غيرَ مباشرٍ ومبطَّنًا وضمنيًّا. هكذا -على سبيل المثال- تحوّلت لجان القبول في البلدات الجماهيريّة (من خلال إلحاق شروط قبول على غرار "الملاءَمة الاجتماعيّة") إلى أداة للإقصاء وانتهاك حقّ المساواة وحقّ المسكن لكلّ مَن هو" ليس منّا": العرب؛ الشرقيّين؛ الروس؛ الإثيوبيّين؛ المتديّنين؛ ذوي الإعاقات؛ العائلات الأحاديّة الوالدين؛ الأزواج المثليّين. ثمّة انتهاك مماثل للحقّ في المساواة، وللحقّ في التربية والتعليم، يحصل في المؤسّسات التعليميّة التي تُجري امتحانات تصنيف وتطلب ملاءَمة لـِ "طابع المؤسّسة". وبسبب هذه الاشتراطات، لا يُقبل لهذه المدارس المعترف بها وغير الرسميّة طلاّبٌ من أصل أثيوبيّ، أو طلاّبٌ حريديّون من أصل شرقيّ.
ثمّة نوع آخر من اشتراط الحقوق يشهد تناميًا في السنوات الأخيرة، يقترن بالحالة الاقتصاديّة. في العَقدين الأخيرين، نشهد نزعة تقليص حادّ في التزام الدولة بضمان تحقيق الحقوق الاجتماعيّة: الحياة الكريمة؛ الضمان الاجتماعيّ؛ التربية والتعليم؛ الصحّة؛ المسكن اللائق؛ العمل. يتجسّد الأمر -في ما يتجسّد- في تعاظم عمليّات الخصخصة، التي بدأت تتسرّب حتّى إلى الخدمات الاجتماعيّة الأساسيّة، وتُهدّد المساواة والعموميّة التي تتميّز بهما الحقوق الاجتماعيّة. هذه الحقوق (ولا سيّما الحقّ في التعليم والحقّ في الصحّة) أصبحت تتعلّق بالمقدرات المادّيّة تعلّقًا متعاظمًا. تحويل الحقوق إلى موادّ استهلاكيّة لا يتمكّن مِن الحصول عليها سوى مَن يمتلك النقود، هذا التحويل يمسّ بالديمقراطيّة؛ إذ إنّ تحقيق الحقوق الاجتماعيّة هو شرط لتحقيق الحقوق المدنيّة، ولتحوّل المواطن إلى شريك حقيقيّ ومؤثّر في الدولة والمجتمع اللذين يعيش داخلهما.
ختامًا، ليس في الإمكان مناقشة الديمقراطيّة وحقوق الإنسان في إسرائيل دون التطرّق إلى الأراضي المحتلّة. خلال اثنين وأربعين عامًا من الاحتلال، فرضت إسرائيل في المناطق التي احتلّتها نظامًا غير ديمقراطيّ، فيه يُسلب ملايين البشر حقوقهم الأساسيّة في جميع المرافق الحياتيّة. يلقي هذا الوضع بظلال كثيفة ثقيلة على تعريف إسرائيل كدولة ديمقراطيّة. حقوق الفلسطينيّين في الأراضي المحتلّة ليست مشروطة، إذ هي -بكلّ بساطة- ليست قائمة. لم يوفّر القانون الإسرائيليّ حماية لحقوق الفلسطينيّين سكّان المناطق المحتلّة أبدًا، وحتّى المحكمة العليا لم تثبت نفسها على أنّها هي من يمتلك المقدرة على المحافظة على الحدّ الأدنى من حقوق الإنسان في وضعيّة الاحتلال. من نتائج الاحتلال المتواصل تصدُّع الأسس الديمقراطيّة داخل دولة إسرائيل. هكذا، على سبيل المثال، كشفت الحرب في غزّة التي شُنَّت في مطلع العام هشاشةَ حرّيّة التعبير في إسرائيل.
حين تتدهور المعايير وتَفسد المبادئ الديمقراطيّة، تكون مجموعات الأقلّـيّة وتلك المستضعَفة أوّلَ مَن يتضرّر من ذلك. لكن التآكل في الحقوق يشكّل ظاهرة آخذة بالانتشار، من حيث عدد المجموعات المتضرّرة، ومن حيث الحقوق المنتهَكة. في إسرائيل العام 2009، لم يعد "المنحدر الأملس" مصطلحًا نظريًّا، بل هو خطر ملموس وحقيقيّ. حقوق الإنسان مهمّة لنا جميعًا؛ المحافظة على حقوق الإنسان وعلى الديمقراطيّة تحافظ علينا؛ وعندما تتصدّع هذه، يحيق بجميعنا الخطر، وقد نجد أنفسنا في حالةٍ تُنتَهَك فيها حقوقُنا.
لتحميل التقرير إضغط هنا