دولة بلا حدود

دولة بلا حدود

مواطنون بلا حقوق

حاولوا رسم حدود دولة إسرائيل. اين تقع هذه الحدود ؟

منذ حزيران 1967 أصبح من الصعب جدًا رسم حدود الدولة. السياسة المتّبعة تجاه الأراضي المحتلّة هي حالة متفاقمة من التناقضات وإخفاء الحقائق.

 

 

 

تحتَ جُنْح الحدود المبهمة – هناك/هنا، ضمّ/احتلال – تُنتهَك حقوق الإنسان الفلسطيني منذ 50 سنة على نحوٍ لا يطاق.

 

لقراءة المقدّمة اضغط/ي على السهم الأخضر.

Read more... Close

حاولوا رسم حدود دولة إسرائيل. اين تقع هذه الحدود ؟

منذ حزيران 1967 أصبح من الصعب جدًا رسم حدود دولة اسرائيل. السياسة المتّبعة تجاه الأراضي المحتلة هي حالة متفاقمة من التناقضات وإخفاء الحقائق. يصرّح السياسيون الإسرائيليون أنّ “أريئيل هي إسرائيل”، ولكن هنالك قائد عسكري يشرف على هذه المنطقة التي يدعي السياسيون الإسرائيليون أنها جزء من إسرائيل؛ والملصقات الموزعة في الشوارع تعلن “مَثَل نتسريم كمَثَل تل أبيب”، وها هي نتسريم قد أُخليت، ولم تختف سيطرة إسرائيل على قطاع غزة؛ سمعنا أيضا شعار “يهودا والسامرة هنا”، ولكن معظم الأِشخاص الذين يسكنون “هناك” ليسوا مواطني دولة إسرائيل “هنا”؛ ومن سافر في شوارع “القدس الموحّدة” تعرف جيدًا متى تكون موجودة وفي أي شطريها– الغربي أم الشرقيّ.

انظروا إلى الرسم الذي رسمناه، وابحثوا عن الحدود. هل يبدو هذا منطقيًا في نظركم؟ تحتَ جُنْح الحدود المبهمة – هناك/هنا، ضمّ/احتلال، دخلنا/خرجنا – تُنتهَك حقوق الإنسان الفلسطيني منذ 50 سنة على نحوٍ لا يطاق. كم من المعاناة سنشهد لكي نفهم أنّ دولة بلا حدود = أناسًا بلا حقوق؟

كيف نشأت هنا دولة بلا حدود؟
01

كيف نشأت هنا دولة بلا حدود؟

المستوطنات، قطاع غزّة، ، مناطق “أ” و”ب” و”ج”، منطقة التماسّ، الأغوار، الخليل المقسّمة، القدس المضمومة وجُزؤها الذي أُبقي وراء الجدار – وفي كلّ من هذه الأقسام نظام سيطرة مختلف ومنظومات قوانين مغايرة.

 

 

تغيّرت الأراضي المحتلّة وليس من الممكن أن تعود إلى سابق عهدها، من خلال الضبابية التي تكتنف حدود إسرائيل ونظامها السياديّ.

 

للتوسّع اضغط/ي على السهم الأخضر.

Read more... Close

طيلة خمسة عقود ، منذ حزيران 1967، جرت تشظية الأراضي المحتلة عبر تقسيمها إلى وحدات تقوم فيها نظم حكم مغايرة وتُتّبع طرق سيطرة مختلفة:

القدس الشرقيّة ضمّتها إسرائيل رسميًا منذ البداية، في حزيران 1967. جرى ذلك في مخالفة للقانون الدولي، وأدّى إلى ضبابيّة مستديمة بخصوص هذه المساحة ومكانة سكّانها الفلسطينيين، الذين يشكّلون اليوم نحو 40% من مجمل سكّان القدس. فهؤلاء يسكنون رسميًا ضمن حدود دولة إسرائيل، ولكنهم ليسوا مواطني إسرائيل ولا يتمتّعون بحقّ المشاركة السياسية (الانتخاب والترشيح للبرلمان الإسرائيلي – الكنيست). ورغم أنّه قد جرى تطبيق القانون الإسرائيلي في القدس الشرقيّة، فالواقع أنّ السياسة التي تبلورت هناك تتجسّد في الإهمال المفرط والقمع والتنكيل، وفي الامتناع عن تطبيق القانون الإسرائيلي وحفظ الحقوق الأساسية للسكّان.

في بقيّة المناطق أقامت إسرائيل في حزيران 1967 نظام احتلال عسكري. رفضت الحكومة الإعلان صراحة بأنّ هذه مناطق محتلّة وفقًا لتعريف القانون الدولي. مع ذلك، أعلنت أنّ الجيش هو الذي سيدير هذه المناطق في إطار القانون الإنساني الدولي (“قوانين الاحتلال“)، وتنصّ في الأساس على أنّ: القائد العسكري هو السيّد في المنطقة، من حيث المسؤولية عن النظام العامّ والأمن. وهو مؤتمن على الفلسطينيين السكّان المُحتلين المعرّفين “كسكّان محميّين” وفقًا للقوانين الدولية، وتقع على القائد العسكري  مسؤولية الاهتمام بهم وبرفاهيّتهم. والأهمّ

بموجب هذه القوانين: الاحتلال العسكري هو حالة مؤقتة لا أكثر.

ولكنّ الرغبة في الضمّ أنشأت واقعًا مختلفًا تمامًا. حاكم مؤقت؟ مؤتمن على السكّان المحميّين؟ ليس تمامًا. فالجيش مطالَب بتنفيذ سياسة الحكومة في مخالفة فظّة للقانون الدولي الذي ينظّم سيطرة الجيش في الأراضي  المحتلة.

إقامة المستوطنات أدّت إلى نشوء “جزر إسرائيلية” في الأراضي المحتلّة، وجرى ربط هذه المستوطنات بإسرائيل بواسطة شبكة طرق ومواصلات منفصلة. لقد موّهت المستوطنات الفرق بين إسرائيل ذات السيادة والمناطق التي تحتلّها إسرائيل. ما أتاح ذلك هو إقامة منظومتين قانونيّتين منفصلتين – واحدة للإسرائيليين وأخرى الفلسطينيين (يُنظر فصل 3). عندما تقوم في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش نُظم قانونية منفصلة تبعًا للقومية وتميّز بشكل فظّ ضدّ السكّان المحميّين، هل يُعتبر هذا احتلالاً أم سيادة؟

بدلاً من القيام بواجب الاهتمام بالسكّان المحلّيين الواقعين تحت الاحتلال، خُصّص الجزء الأكبر من مهمّات الجيش في المناطق المحتلة للدفاع عن أمن المستوطنين، توسيع المستوطنات واتّخاذ خطوات تسهّل لضمّ الأراضي المحتلة . تحت ذريعة الاحتياجات العسكرية سيطرت إسرائيل على مناطق واسعة بينما أخرجت السكّان الفلسطينيين خارجها وفرّغتها من التواجد الفلسطيني. بمرور السنين نشأت في الضفة الغربية وقطاع غزّة مساحات كاملة يُمنع على الفلسطينيين التنقّل أو السكن فيها، أو يتاح ذلك ضمن قيود. مما أدى إلى أن ينظر كثير من الإسرائيليين إلى هذه المناطق على أنّها “إسرائيلية”، لا “فلسطينية”.

جدار الفصل عمّق هذه السيرورة. ولأنّ مساره لا يطابق الخطّ الأخضر، يُنشئ جدار الفصل جيوبًا ومناطق يُمنع الفلسطينيون من دخولها. “منطقة التماسّ“، الواقعة غربيّ الجدار، شهدت الكثير من الأوامر العسكرية التي قلصت من دخول الفلسطينيين إليها – سواء لأغراض السكن أو فلاحة الأرض.

في القدس، عزل الجدار الفاصل أكثر من رُبع سكّان القدس الشرقيّة عن بقيّة أجزاء المدينة. السلطات الإسرائيلية وضمنها بلدية القدس تتنصّل من مسؤولياتها الأساسية تجاه السكّان رغم أنّهم ظلّوا رسميًا جزءًا من المدينة. بين الحدود البلدية الرسمية للقدس التي ضُمّت والحدود المادّية/ الفعلية التي فرضها الجدار نشأت مساحة لا تتبع لأي جهة رسمية على أرض الواقع، وتسمّى “أرض محرّمة” (no man’s land) يسكنها فلسطينيون فقط؛ وبين الخطّ الأخضر ومسار الجدار على امتداد الضفة الغربية نشأت جيوبٌ “إسرائيلية” يتقلّص تدريجيًا عدد الفلسطينيين القاطنين فيها.

اختلف طابع سيطرة إسرائيل في المناطق المحتلة في أعقاب إقامة السلطة الفلسطينية ضمن اتفاقيات أوسلو، التي قلّصت نوعًا ما من صلاحيّات الجيش في بعض المناطق. أصبحت وزارات الحكومة الفلسطينية هي المؤتمنة على الحياة اليومية للسكّان في المنطقتين المصنّفتين “أ” و”ب” (وتبلغ مساحتهما نحو 40% من الضفة الغربية) وعلى تقديم بعض الخدمات في المنطقة المصنّفة “ج”. ولكنّ سيطرة إسرائيل التامّة على المنطقة “ج” (نحو 60% من الضفة الغربية) تُبقي في يدها مفاتيح تطوير احتياطيّ الأرض وموارد الطبيعة في الضفة كلّها. التفوّق العسكريّ الحاسم يتيح لإسرائيل أن تفعل ما يحلو لها في أنحاء الضفة وأن تستمرّ في سلب مناطق استراتيجية من أيدي الفلسطينيين.

في قطاع غزّة، واقع الحكم العسكري وإقامة المستوطنات، الذي نشأ بعد 1967، اختلف جذريًا في أعقاب خطّة الانفصال أحادية الجانب من قبل إسرائيل وإخلاء المستوطنين في صيف 2005 وسيطرة حماس على القطاع بعد ذلك بوقت قصير. يسود اليوم فصلُ حادّ بين الضفة وقطاع غزة، الذي تحوّل إلى سجن كبير يقبع داخله مليونا إنسان. ولّدت سيطرة حماس وضعًا من العدائية المستمرّة بين إسرائيل والقطاع أدّت إلى ثلاث جولات من القتال.

حتّى بعد الانفصال عن قطاع غزّة أبقت إسرائيل في يديها السيطرة على حواجز القطاع – البرّية والبحرية والجوّية، وكذلك على الجمارك، وحتى على تسجيل السكّان. لهذه السيطرة إسقاطات جدّية على حرّية تنقّل وحركة سكّان القطاع، كما على إمكانيّة إحقاق حقوقهم الأساسية كالتعليم والصحّة، وأيضًا على فرص التطوير وعلى الوضع الاقتصاديّ في القطاع. وفيما تدّعي إسرائيل أنّها قد خرجت من قطاع غزّة، وبذلك يكون الاحتلال قد انتهى، تعتقد منظمّات حقوق الإنسان أنّ قوانين الاحتلال لا تزال تُلزم إسرائيل خاصة في المجالات التي لا تزال تقع تحت السيطرة الإسرائيلية.

المناطق المحتلّة اليوم مشظّاة أكثر من أيّ وقت مضى، وتنقسم إلى: قطاع غزّة، المستوطنات، مناطق “أ” و”ب” و”ج”، “منطقة التماسّ”، غور الأردن والخليل – المقسّمة هي أيضًا، القدس المضمومة، وجُزؤها الذي أُبقي وراء الجدار – وفي كلّ من هذه الأقسام نظام سيطرة مختلف ومنظومات قوانين مغايرة. التشظية المادّية والقضائية للأراضي المحتلة، مع تلاشي حدود دولة إسرائيل ونظامها الديمقراطيّ، أدّت إلى انتهاكات فادحة لحقوق الإنسان الفردية والجماعية لسكّان الأراضي المحتلة.

بين الخط الأخضر والخطوط الحمراء
02

بين الخط الأخضر والخطوط الحمراء

أمور لا يُعقَل وجودها في دولة ديمقراطية أصبحت منذ زمن من مجريات الاحتلال العاديّة. من الاعتقالات الإدارية حتى منع مد البيوت بشبكات المياه – من غير حدود مادّية تتلاشى حدود الأخلاق.

 

 

 

من أجل تفعيل السيطرة على المناطق تحتاج إسرائيل إلى تفعيل سياسة قوامها القوّة والعنف – سياسة لا مكان لها في دولة ديمقراطية، ولكن هديرها يعلو في مكان بلا حدود.

 

للتوسّع اضغط/ي على السهم الأخضر.

Read more... Close

خلال خمسين سنة من الاحتلال أخذ الخطّ الأخضر في التلاشي، وتلاشت معه الخطوط الحمراء أيضًا، كما حدود الأخلاق. ذلك لأنّه لأجل تفعيل السيطرة على الأراضي المحتلة تحتاج إسرائيل إلى تفعيل سياسة قوامها القوّة والعنف – سياسة من نوع لا مكان له في دولة ديمقراطية، ولكن هديرهُ يعلو في مكان بلا حدود.

لقد جبى الاحتلال المستديم ثمنًا إنسانيًا باهظًا لا يمكن تحمّله. آلاف الفلسطينيين، إسرائيليون قُتلوا، اغتيلوا، وأصيبوا. في الاحتكاك الدائم بين الجنود وأفراد الشرطة الإسرائيليين، وبين الفلسطينيين هنالك دائمًا أشخاص يتضرّرون، نساء وأطفال لا ذنب لهم. في أحيان كثيرة جدًا تُنتهك تعليمات إطلاق النار، ويمارَس عنف جسديّ مخالف للقانون من قبل الجنود وافراد الشرطة الاسرائيليّة. و في أحيان قليلة جدًا يحاكَم جنديّ أو شرطيّ جرّاء اعتدائه على الفلسطينيين، حتى حينما يكون الاعتداء خطيرًا بل وحتى حين يؤدّي إلى الموت. في محاكمة إليئور أزاريا، الجندي مطلق النار في الخليل على الشاب عبد الفتّاح الشريف الذي كان مصابًا وملقى على الأرض، قتلهُ رغم عدم وجود أي خطورة قد تصدر منه بعد إصابته، اشتاط محاموه ومؤيّدوه غضبًا لأنّه لأنّ اليئور اضطرّ لدفع ثمن قتله فلسطينيًا بالرصاص؛ بينما هنالك جنود كثيرون فعلوا ما فعله ولم يقدّموا للمحاكمة بتاتًا؛ وهنالك مستوطنون يعتدون بعنف على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وهم يفلتون من العقاب على أفعالهم.

لقد جرى تجاوز الخطّ الأحمر بحيث يُزجّ أناس من الأراضي المحتلة في السجون دون إجراء محاكمة. في كلّ لحظة هنالك مئات من الفلسطينيين رهن الاعتقال الإداري، أي أنّهم في السجن ولكن دون أن يقال لهم ما هي الشبهات الموجهة ضدّهم ودون إعطائهم فرصة ليحاولوا إثبات براءتهم في إجراء قضائيّ عادل أمام المحكمة. مئات آلاف الفلسطينيين دخلوا السجن على مرّ السنين، بينهم أطفال وفتيان يواجهون قسرًا ظروف الاعتقال والتحقيق والحبس دون أن تتوفر لهم الحماية والظروف الملائمة لسنّهم الصغيرة والحسّاسة. في السابق، حدّد الجيش أنّ سنّ القصور للفلسطينيين ينتهي عند بلوغهم 16 سنة، ولم يتمّ تعديل ذلك إلى سنّ 18 سوى قبل بضعة سنوات.

سلب أراضي الفلسطينيين يجري بوسائل قانونية تتجاوز الخطّ الأحمر بشكل واضح. تُصدر الحكومة الإسرائيلية تعليماتها إلى الجيش ليأخذ أراضي الفلسطينيين لصالح المستوطنين، وهي تعلم أنّ القادة ينتهكون بذلك القانون الإنساني الدولي الذي يُلزمهم. تعلَن الأراضي في المناطق المحتلة “أراضي دولة“، وهو مصطلح يقابله في إسرائيل مصطلح “مساحات عامّة”. أيّة دولة؟ وأيّة عامّة؟ أقل من 1% من أراضي الدولة خُصّصت لصالح الفلسطينيين، فيما يستولى مستوطنون على أراضي بمبادرة منهم وبشكل مخالف للقانون، يغضّ الجيش الطرْف عنهم أو يتعاون معهم. أقرّت الكنيست مؤخرًا قانون التسوية، (يُنظر فصل 4) وأضفت بذلك طابع الشرعية على مثل هذا الاستيلاء.

في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو، تتركّز مسؤولية إسرائيل عن الاحتياجات اليومية الحيوية للسكّان في المنطقة المصنّفة “ج”، التي بقيت السيطرة التامّة عليها في يد إسرائيل (60% من مساحة الضفة، تمتدّ فيها طولاً وعرضًا). الممارسات الإسرائيلية في المنطقة “ج” تدحر جانبًا الحقوق الأساسية والاحتياجات الإنسانية. رغم أنّ القائد العسكري ملزَم قانونيًا بالاهتمام برفاه السكان المحليّين واحتياجاتهم، يمنع الجيش في المنطقة “ج” مد شبكة الماء والكهرباء للقرى الفلسطينية. في القرن الواحد والعشرين يُضطرّ الفلسطينيون لنشل المياه وتخزينها، بكلفة باهظة في أحيان كثيرة، والاعتماد على مولّدات الكهرباء وألواح الطاقة الشمسيّة. هذا في الوقت الذي تمرّ بمحاذاتهم خطوط المياه والكهرباء المدودة إلى المستوطنات في الأراضي المحتلة.

سياسة عدم الّتخطيط وعدم الّتطوير التي تتّبعها سلطات التخطيط العسكرية تهدف إلى جعل حياة الفلسطينيين في المنطقة “ج” لا تطاق، ودفعهم بالتالي إلى الرحيل عنها والسكن في مدن وبلدات المنطقتين المصنّفتين “ب” و”أ”. تترافق هذه السياسة دائمًا بعمليات هدم البيوت والمباني وآبار المياه، بحيث أصبح الهدم هو العلامة الدالّة على تحكّم إسرائيل بالفلسطينيين، وهو آخذ بالازدياد والتصاعد في السنوات الأخيرة. إخراج الفلسطينيين خارج المنطقة “ج” تجري بواسطة إعلان منطقة ما “منطقة تدريبات عسكرية” أو “منطقة عسكرية مغلقة”.

شبكة من الحواجز الفعلية ذات النظام البيروقراطيّ، والجدران وتقييد الحركة تصعّب وتشرذم وتشوّش الحياة اليومية، تمنع عن الفلسطينيين ممارسة حياة طبيعية. كلّ هذه الممارسات يضبطها جهاز بيروقراطي عسكريّ متشعّب من المستندات المطلوبة ولكن يصعب استصدارها، لأجل بناء بيت، لأجل السفر لتلقّي العلاج، لأجل لمّ شمل العائلات، وغير ذلك ممّا لا يتّسع المجال هنا لسرده.

السيطرة الإسرائيلية على الدخول والخروج من قطاع غزّة، والتي تكاد تمنع عن نحو مليوني فلسطينيّ حرّية التنقّل، حوّلت القطاع إلى منطقة معزولة وفقيرة بشكل لا يصدَّق.

أمور لا يُعقَل وجودها في دولة ديمقراطية أصبحت منذ زمن من مجريات الاحتلال العاديّة. من غير حدود فعلية – تتلاشى حدود الأخلاق.

نطاق واحد – نظامان قانونيّان
03

نطاق واحد – نظامان قانونيّان

تعمُّد إبقاء الحدود مبهَمة نتج عنه مباشرة نظامان قانونيّان. فعليًا، تمخّض عن ذلك نظام قضائيّ رسميّ وممأسَس تعيش تحت كنفه، في نطاق إقليميّ واحد، مجموعتان سكّانيّتان تخضعان لجهازين منفصلين من القوانين والأعراف.

 

 

 

نتحدّث عن جهاز يُثبّت ويرسّخ تمييزًا مُمأسسًا ومُمنهجًا بواسطة تشريعات الجيش والكنيست، وقرارات المحاكم المدنيّة والعسكريّة، وممارسات الجيش والشرطة والوزارات الحكومية على أرض الواقع.

 

للتوسّع اضغط/ي على السهم الأخضر.

Read more... Close

منذ إقامة الحكم العسكري في المناطق المحتلة، في حزيران 1967، تطوّر القانون العسكري هناك، وتطوّر معه جهاز المحاكم العسكرية، التي يحاكَم أمامها السكّان الفلسطينيون فقط. في المقابل، عملت الكنيست والقائد العسكريّ على تطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنين وإخراجهم من نطاق الحكم العسكري في معظم مجالات الحياة.

القانون الجنائي الإسرائيلي يسري كلّه على المستوطنون اليهود في الضفة الغربية (وحتى على السكّان اليهود في المستوطنات، وإن لم يكونوا يحملون الجنسية الإسرائيليّة).

ويسري هذا القانون أيضًا لدى ارتكاب مخالفات جنائية في الأراضي المحتلة، أي في المناطق الواقعة تحت الحكم العسكري. إضافة للقانون الجنائي، تسري على المستوطنين اليهود من سكّان الضفة قوانين كثيرة سنّتها الكنيست – البرلمان الإسرائيليّ- ولا تسري بالضرورة على الإسرائيليين القاطنين خارج حدود إسرائيل. يشمل ذلك قوانين الانتخابات للكنيست، التأمين الصحّي الرسمي، التأمين الوطني، الضرائب، حماية المستهلك، وغير ذلك.

الفصل بين القوانين السارية على الفلسطينيين وتلك السارية على الإسرائيليين القاطنين ضمن النطاق نفسه، تكاد تمسّ جميع مناحي الحياة، من قوانين المرور إلى حرّية التعبير. نحن لا نتحدّث هنا عن تمييز عينيّ أو تقنيّ، ولا عن قرارات فرديّة، وإنّما نتحدّث عن جهاز يُثبّت ويرسّخ تمييزًا مُمأسسًا ومُمنهجًا بواسطة تشريعات الجيش والكنيست، وقرارات المحاكم المدنيّة والعسكريّة، وممارسات الجيش والشرطة والوزارات الحكومية على أرض الواقع.

فعليًا، تمخّض عن ذلك نظام قضائيّ رسميّ وممأسَس تعيش تحت كنفه، في نطاق إقليميّ واحد، مجموعتان سكّانيّتان تخضعان لجهازين منفصلين من القوانين والأعراف.

يتمتّع المواطنون الإسرائيليون بحقوق يكفلها لهم القانون بوصفهم مواطنين في دولتهم الديمقراطية، حتى وإن كانوا يعيشون خارجها أي في الأراضي المحتلة. أمّا السكّان الفلسطينيون فلا يتمتعون بتلك الحماية القانونية، وإنّما هم يواجهون تشريعات تشكّل انتهاكًا ممنهجًا لحقوقهم الأساسية.

تعمُّد إبقاء الحدود مبهَمة نتج عنه مباشرة نظامان قانونيّان ينطويان على التمييز ويخرقان مختلف مواثيق القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان، بل ويخرقان قوانين الاحتلال ذاتها.

سلطة واحدة، جهازان قضائيان: النظام القضائي الاسرائيلي في الضفة الغربية، تقرير (2014)، جمعية حقوق المواطن

قانون التسوية:</br>من سيادة الجيش إلى سيادة الكنيست
04

قانون التسوية:
من سيادة الجيش إلى سيادة الكنيست

قانون التسويّة معروف باسم قانون “السرقة”. صادقت الكنيست على هذا القانون الذي يتيح سرقة أراضٍ خاصة تابعة لفلسطينيين – ليسوا مواطني إسرائيل- بذريعة إقامة بيوت ومبانٍ عليها تتبع للمستوطنات والتجمعات السكّانية – في منطقة لا تعتبر جزءًا من دولة إسرائيل.

 

 

عندما تشرّع الكنيست قوانين في منطقة خارج النطاق السياديّ لإسرائيل وتمسّ بحقوق أناسٍ ليسوا مواطنيها فإنها تقوم ؛ وبشكلٍ واضحٍ؛ بضمّ غير قانوني.

 

للتوسّع اضغط/ي على السهم الأخضر.

Read more... Close

قانون التسوية” هو القانون الذي سنّته الكنيست في شباط 2017، بهدف مصادرة أراضي الفلسطينيين الخاصّة التي أقيمت عليها بيوت ومبانٍ في المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

يشكّل سنّ “قانون التسوية” علامة فارقة في شكل السيطرة الإسرائيلية على المناطق المحتلة. على امتداد عقود خمسة، كانت تشريعات الكنيست الخاصّة بالمناطق تشريعات فرديّة أو شخصيّة تتناول فقط حقوق المواطنين الإسرائيليين القاطنين في المستوطنات، مثل التشريع الذي يتيح لهم المشاركة في انتخابات الكنيست، تصويتًا وترشيحًا، رغم أنّهم يسكنون خارج حدود الدولة.

بعد خمسين عامًا قرّر أعضاء الكنيست تجاوز صلاحيّات الكنيست على نحوٍ فظّ، والتي ينبغي بطبيعة الحال ألاّ تتعدّى حدود دولة إسرائيل. إنّهم يسعون بأنفسهم إلى تسوية قانون الأراضي في منطقة تقع تحت سيطرة الجيش، والمسّ بالفلسطينيين من غير مواطني دولة إسرائيل وغير القاطنين ضمن حدودها. سنّ قانون ليسرى في منطقة تقع خارج نطاق سيادة الدولة هو فعل سياديّ واضح، أي القيام بضمّ غير شرعيّ.

في الواقع، يحدّ قانون التسوية من قدرة السلطات العسكرية على التصرّف وفق قناعتها. إنّه يُلزمها أن تصادر من الفلسطينيين حقّ استخدام وحيازة أراضيهم الخاصّة لمدّة زمنيّة غير محدودة، لكي يستخدمها المستوطنون. إضافة إلى ذلك، لا يتيح القانون لأصحاب الأراضي الاعتراض على إجراءات المصادرة. ثمّ إنّ هذا القانون يخرق موانع ومحاذير قاطعة في القانون الإنساني الدولي وفي قوانين الاحتلال، التي تُلزم دولة إسرائيل الحفاظ على حقوق سكّان الأراضي المحتلّة وتحظر عليها مصادرة ممتلكاتهم سوى لاحتياجات أمنيّة فوريّة ومباشرة.

وضع بنود قانون التسوية قيد التنفيذ من شأنه أن يورّط المواطنين والضباط الضالعين في تنفيذه بتهم ارتكاب جرائم حرب، بل وقد يتورّط في ذلك أيضًا أعضاء الكنيست الذين أيّدوا القانون لدى طرحه للتصويت. لقد جرى تجاوز خطّ أحمر جديد، وذلك رغم أنّ المستشارين القضائيين للحكومة عبّروا صراحة عن اعتراضهم على القانون أمام الكنيست وأمام منظومة الأمن.

التماس للمحكمة العليا ضد قانون التسويّة

 

الاحتلال العسكري وحدود القانون الدولي
05

الاحتلال العسكري وحدود القانون الدولي

الحدود غير الواضحة بين إسرائيل والأراضي المحتلّة جرّدت الفلسطينيين من حقوقٍ أساسيّة. تم ذلك عن قصد وبوعيّ تامٍ، علمًا أنه كان الممكن التصرّف بصورة مغايرة.

 

 

لو كانت إسرائيل معنيّة حقًا بتطبيق نُظم القانون الدوليّ، لما كان الفلسطينيون يقبعون تحت سيطرة حكمٍ عسكريّ غريب، لكن كانت لتتوفّر لهم حماية وحقوق غير متوفرة لهم حاليًا.

 

للتوسّع اضغط/ي على السهم الأخضر.

Read more... Close

النّسيان سهل، غير أنّه كان من الممكن خلاف ذلك.

بعد انتهاء الحرب في 1967، عندما سيطرة إسرائيل  على الأراضي الواقعة بين النهر والبحر، كان أمام إسرائيل عدد من الإمكانيات. في الطرف الأول للمحور عرضت إمكانية الخروج الكليّ من الأراضي المحتلة في إطار التسويّة أو بدونها. في الطرف المعاكس عرضت فكرة ضم كل الأراضي المحتلة ومنح الجنسية لكل الفلسطينيين. لكن وقع الاختيار على الضبابية في تحديد الحدود ومكانة الأرض وسكانها –بكون الأرض مع اسرائيل لكن بدون الاهتمام لسكانها.

كان بالإمكان خَيار آخر: مواصلة اعتبار الخطّ الأخضر حدودًا لإسرائيل السياديّة – مع الإبقاء على السيادة العسكرية.

إمكانية كهذه كانت ستخلق واقعًا مختلفًا جدًا عمّا نعرفه. في مثل هذا الواقع، لكان جميع القاطنين غربيّ الخطّ الأخضر (وفي غزة شرقيّ الخط الحدودي) مواطنون في دولة إسرائيل الديمقراطية؛ لهم حقّ المشاركة في انتخابات الكنيست، ترشيحًا وتصويتًا، ولكانت قوانين الكنيست تكفل حقوقهم.

ولكان الفلسطينيون القاطنون شرقيّ الخطّ الأخضر معترفًا بمكانتهم بموجب القانون الدولي كـ “سكّان محميّين” بحكم سكناهم في أرض محتلّة. ولكان على القائد العسكري بموجب القانون حفظ أمنهم واحتياجاتهم. ولكان الاحتلال مؤقتًا، بحكم تعريفه. ولكان يُحظر على إسرائيل إسكان مواطنيها هناك واستخدام الأراضي والموارد الطبيعية وراء الخطّ الأخضر، من حيث أنها ملك لسكّان المكان.

هذه الحدود الواضحة لم تكن لتكفل للفلسطينيين العيش في كنف حكم ديمقراطي، إذ إنّهم يعيشون تحت حكم احتلال عسكريّ أجنبيّ. ولكن، لو قرّرت دولة إسرائيل أن تطبّق حقًا مبادئ القانون الإنسانيّ الدوليّ – لا أن تقيم المستوطنات، ولا تضمّ الأراضي، ولا أن تستولي على الأراضي والموارد – لتمتّع الفلسطينيون بحماية وبحقوق لا يحظون بها اليوم. يمكن التكهّن بأنّه لو طُبّقت جميع مبادئ القانون الإنسانيّ الدوليّ لما استمرّ الاحتلال طيلة خمسين عامًا، ولكان انتهى قبل ذلك بكثير.

بدلاً من ذلك، تجاهلت إسرائيل المبدأ القائل بأنّ الاحتلال مؤقت، وجعلت سيطرتها على المناطق واقعًا مستديمًا. اختارت حكومات إسرائيل خرق القانون الدولي عندما ضمّت القدس الشرقيّة، وأقامت المستوطنات وجدار الفصل، واتّخذت خطوات مؤذية وقاسية تجاه الفلسطينيين. هذه السياسة المتواصلة تمخّض عنها فصل وتجزئة في المناطق المحتلة – فعليّ وقانونيّ وإداريّ – يمسّ عميقًا حقوق الفلسطينيين الفردية والجماعية. هذه السياسة غايتها إتاحة السيطرة على أجزاء واسعة من المناطق، وزجّ الفلسطينيين في مساحات محدودة.

تعمُّد إبقاء الحدود بين الأراضي المحتلة وإسرائيل غامضة ومبهَمة منذ 1967 يسلب الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال العسكري الحقوق والحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي؛ ويمنح للمستوطنين حقوقًا ديمقراطية رغم أنهم يعيشون في منطقة تقع تحت احتلال عسكريّ.

“الضمّ والاحتلال” –</br>بين غياب الحدود وغياب الحقوق
06

“الضمّ والاحتلال” –
بين غياب الحدود وغياب الحقوق

تواصل حكومة إسرائيل التحدّث عن نزاع قوميّ وعن تهديد أمنيّ يستوجبان الإبقاء مؤقتًا على الحكم العسكري في الأراضي المحتلة. فعليًّا، هي تتّبع خطوات عن علم وإدراك لتثبيت واقع جديد يغيّر على نحوٍ دراماتيكيّ حدود الدولة وتعريف إسرائيل الأساسيّ كدولة ديمقراطيّة.

 

 

 

تواصل حكومة إسرائيل التحدّث عن نزاع قوميّ وعن تهديد أمنيّ يستوجبان الإبقاء مؤقتًا على الحكم العسكري في الأراضي المحتلة. فعليًّا، هي تتّبع خطوات عن علم وإدراك لتثبيت واقع جديد يغيّر على نحوٍ دراماتيكيّ حدود الدولة وتعريف إسرائيل الأساسيّ كدولة ديمقراطيّة.

 

للتوسّع اضغط/ي على السهم الأخضر.

Read more... Close

تواصل حكومة إسرائيل التحدّث عن نزاع قوميّ وعن تهديد أمنيّ يستوجبان الإبقاء “مؤقتًا” على الحكم العسكري في المناطق المحتلة. فعليًّا، هي تتّبع خطوات عن علم وإدراك لتثبيت واقع جديد يغيّر على نحوٍ دراماتيكيّ حدود الدولة وتعريف إسرائيل الأساسيّ كدولة ديمقراطيّة تكفل حقوق الإنسان لكل من يسكن داخل حدودها.

سواء كان الفلسطينيون من سكّان القدس الشرقيّة، القاطنين في منطقة ضمّتها إسرائيل لأراضيها، أو من سكّان قطاع غزّة، القاطنين في منطقة انفصلت عنها إسرائيل، يكابد الفلسطينيون سياسة إسرائيلية تُنشئ درجات مختلفة من السيطرة والقمع وتدوس حقوقهم على نحوٍ فظّ. سياسة قوامها السيطرة والسلب هي خرْق لمبادئ الأخلاق الأساسية؛ وأولئك الذين يحاولون عرض هذه الحقائق أمام الجمهور يجري إسكاتهم والتنديد بهم.

الحفاظ على استمرار هذه السيطرة منذ خمسين عامًا – وهي مدّة لا سابق لها في العصر الحديث – كان ممكنًا تحت جُنح وضع مُبهم: بواسطة إنشاء إطار احتلال عسكريّ “مؤقت” وفقًا للقانون الدولي (ومن هنا فهو “احتلال شرعي”) يرسّخ في الواقع السيطرة والضمّ الدائمين.

هذا الوضع المُبهم آخذٌ اليوم في التلاشي. لقد بات واضحًا أن المؤقت هو دائم عمليًا، أنّ الجيش ليس هو السيّد وإنّما الحكومة بل والكنيست أيضًا، وأنّ التزام دولة إسرائيل بالقانون الإنساني الدولي – الذي بفضله اعترف العالم بشرعية الحكم العسكري – هو التزام بالقول لا بالفعل.

تحت جُنح ازدواجية “الضمِّ والاحتلال“، تكاثف الضباب فوق حدود إسرائيل حتى باتت غير واضحة، واكتنف الغموض الخطوط الحُمر التي تتوقّف عندها إسرائيل، والحقوق القليلة التي حاز عليها الفلسطينيون تلاشت هي أيضًا.

هكذا هو الحال منذ خمسين عامًا.