التـأثيرات الاجتماعية لتطبيق القانون الإسرائيلي على النساء الفلسطينيات في القدس الشرقية

بعد احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية في عام 1967 تم ضم القدس الشرقية إلى الأراضي الإسرائيلية وإدراج القانون الإسرائيلي عليها، رغم المعارضة الدولية لذلك. وأدى هذا الضم إلى إلزام السكان المقدسيين بالتعامل المباشر مع القانون الإسرائيلي والانصياع له رغم كونه غريبا عنهم. تطرقت الكثير من التقارير والأبحاث للفجوة القائمة بين القانون الإسرائيلي والثقافات المتعددة في البلاد, أما ما أود عرضه هنا فهو تأثير تطبيق هذا القانون على المرأة الفلسطينية في القدس، وليس من وجهة نظر قانونية أو أكاديمية، بل من وجهة نظري كابنة القدس ومن تعمل في مجال حقوق الإنسان وتختلط بالكثير من نسائها في أحيائها المختلفة. من خلال عملي، أرى نتائج عدم تطبيق القانون وضمان حقوق الإنسان الأساسية من جهة ونتائج تضارب القانون الإسرائيلي والأعراف المتبعة في المجتمع الفلسطيني في القدس من جهة أخرى.

.

الإهمال في التربية والتعليم

بالرغم من كون الدولة ملزمة بتوفير التعليم المجاني, إلاّ أنَّ آلاف الأولاد والبنات في القدس الشرقية يبقون خارج إطار جهاز التربية والتعليم مع بداية السنة الدراسية كل عام. ويقدر عدد هؤلاء الطلاب ب-4300 طالب وطالبة، أي ما يعادل %6 من مجمل عدد البنين والبنات الفلسطينيين في جيل الدراسة في القدس. ذلك إلى جانب آلاف الأطفال الذين يُضطر أهاليهم إلى تسديد تكاليف تعليمهم في مدارس خاصة، بسبب عدم توفر الأماكن لهم في المدارس الرسمية. إضافة إلى ذلك، لقد أدّى الإهمال المستمر من قبل وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية والبلدية لجهاز التعليم في القدس الشرقية إلى العجز الشديد بغرف التدريس والمتمثل بنقص ما يقارب 1000 غرفة تدريسية. كما نجد تلك الفئة من التلاميذ الذين نجحوا في العثور على مقعد في إحدى المدارس تضطر للتعلّم في أطر غير لائقة، إذ إنَّ الغالبية المطلقة للمدارس في شرق القدس، في جميع التيارات التعليمية، تعاني من أزمات وصعاب عسيرة: مبانٍ متداعية وغير آمنة، وغرف تدريس مكتظّة، ومستويات تعليمية متدنية، ونسب تسرّب تصل إلى 50% من الأولاد،[1] وتحصيل تعليمي متدنّ.

ينبغي التأكيد على أنَّ لدى سكان القدس الشرقية الفلسطينيّين كامل الحق في الحصول على تعليم حكومي، وعلى كافة حقوق الرفاه الاجتماعي التي تقدّمها الدولة، وذلك بفعل الإقامة التي منحتهم إياها إسرائيل بعد ضمّ القدس الشرقية إليها في العام 1967.

أن من نتائج تعدد الأطر التعليمية في القدس وجود جهاز تربوي يغيب عنه التجانس على صعيد مناهج التعليم وأساليب التدريس، ولذا فإن هذه الأطر تفتقر إلى عمود فقري ومركز للثقل. إنَّ جهازًا تربويًا كهذا يُخرّج عددًا قليلاً جدًا من أصحاب الثقافة الكافية للتطوّر الشخصي المميز إضافة إلى إنتاجه مجتمعًا مدنيًا يتمتّع بقدرة ضعيفة جدًا على الصمود والاستمرار.

إن الفئة المجتمعية الرئيسية التي تدفع ثمن تردي وضع جهاز التربية والتعليم في القدس هي البنات. كما هو معروف، فإن غالبية المدارس في القدس هي مدارس منفصلة – مدارس للبنين ومدارس للبنات. إحدى المشاكل التي تعاني منها تلميذات القدس هي النقص في المدارس الثانوية، فهنالك ثلاث مدارس ثانوية رسمية فقط للبنات في القدس، إحداها – مدرسة المأمونية – هي الأكبر عددا للطلاب في البلاد وتضم ما يقارب 1500 طالبة. هذا الوضع، وفيه يوجد عدد محدود جدا من مقاعد الدراسة مقابل عدد كبير جدا من الطالبات، يفسح المجال للمدارس باختيار الطالبات ذوات التحصيل العلمي الأفضل، والتمييز ضد من هي أقل من ممتازة في تحصيلها العلمي وإبقاءها خارج إطار التعليم العالي.

عدا عن ذلك، يؤدي النقص بعدد المدارس الثانوية للبنات إلى انحسار المدارس الثانوية من العديد من القرى والأحياء في القدس. وفي مجتمع عربي محافظ كمجتمعنا الفلسطيني، يمنع الكثير من الأهالي بناتهم من الخروج من القرية أو الحي بهدف الحصول على التعليم العالي ويفضلون إبقاءهن في البيت. في جملة نتائج وضع كهذا، نجد ازدياد ظاهرة الزواج المبكر مع انعكاساتها السلبية على الفتيات، وبيوتهن، والمجتمع بأكمله. فعلى سبيل المثال، في قرية العيساوية لا توجد مدرسة ثانوية للبنات، وتمنع العديدات منهن من الخروج للتعليم خارج القرية. يؤدي ذلك إلى كون ما يقارب نصف الفتيات في جيل الرابعة عشرة (الصف التاسع) مخطوبات على وشك الزواج، وذلك لأنهن وأهاليهن لا يرون بديلا آخر. كما ولا نجد لدى هذه الفتيات أي طموح للتعلم العالي أو التطور المهني، بل نجد أن من أهم المواضيع المتداولة بين البنات في جيل لا يتعدى الخامسة عشرة هو موضوع الزواج وكل ما يتعلق به.

.

تجميد قانون لم شمل العائلات الفلسطينية

الفلسطينيون في القدس ليسوا مواطنين في دولة إسرائيل، بل هم كما ذكر سكان دائمون يحملون الهوية (الإقامة) ولا يحملون جواز السفر الإسرائيلي، وتسهّل هذه المكانة القانونية الخاصة من انتهاك حقوقهم الأساسية. طيلة أعوام، كانت القدس المركز التربوي الفكري الاقتصادي والاجتماعي ليس لمحيطها فحسب، بل للضفة الغربية بأكملها. أما مع بناء الجدار حول القدس وعزلها عن باقي الضفة، فقد فقدت القدس مكانتها هذه إذ انقطعت الكثير العلاقات الثقافية والتربوية السابقة. مع ذلك، لكثير من العائلات المقدسية أقارب وعلاقات في الضفة الغربية، ومن الطبيعي أن تتكون علاقات زوجية بينهم. عدا عن ذلك، يُقدِم العديد من الشباب والرجال الفلسطينيين من سكان الضفة إلى الزواج بفتيات ونساء مقدسيات، علما منهم أنه – وبعد المرور بالمراحل البيروقراطية الصعبة مقابل وزارة الداخلية الإسرائيلية – بمقدورهم الحصول على تصاريح الإقامة المؤقتة، التي يسمح بعضها لهم بالعمل داخل البلاد وبالتالي إلى تحسين مكانتهم الاقتصادية وحتى الاجتماعية. يؤدي هذا الوضع إلى ازدياد حالات تعدد الزوجات في المجتمع الفلسطيني، إذ تكون الزوجة الأولى من الضفة الغربية أما الثانية فهي من  القدس وهدف الزواج منها هو تصريح الإقامة والعمل. لهذه القضية الشائكة تأثير سلبي على المجتمع الفلسطيني بشكل عام، وعلى النساء المقدسيات بشكل خاص.

إن إجراءات الحصول على تصاريح الإقامة و/أو العمل للأزواج والزوجات من سكان الضفة الغربية هي طويلة وصعبة، وقد تستمر مدة سنين. طوال هذه الوقت يكون الشخص متعلقا تماما بزوجه/بزوجته، فهو لا يستطيع أن يعمل، ولا يسمح له بقيادة سيارة، ولا يتلقى أي خدمات اجتماعية. كل ما يسمح له، على الأقل في المراحل الأولى، هو البقاء داخل القدس. تكمن المشكلة في كل هذا في حالات حصول خلاف بين الزوجين. فأول ما تهدد به الزوجة هو أن يوقف الرجل كل المعاملات في وزارة الداخلية الإسرائيلية، وبهذا في حال كونها مقدسية فتُهدَّد بأن يأخذ الزوج أولادها منها ويذهب بهم إلى الضفة، أو في حال كون المرأة غير مقدسية فتمنع من التواجد في القدس مع أولادها وتطرد إلى الضفة. هذا التهديد يولّد العناء الكثير للنساء التي تقبل أحيانا بالبقاء داخل علاقة زوجية سيئة ومضرّة لكي لا يتم إبعادها عن أطفالها أو إبعاد أطفالها عنها.

.

القانون الجنائي

على الرغم من أن القانون الجنائي الإسرائيلي قد يضمن حقوق النساء المعنّفات، ومن ضمنهن النساء الفلسطينيات في القدس، وأن تنفيذ القانون إلى جانب عمل الشرطة المتزايد في هذا المجال قد يؤديان إلى تعزيز المرأة الفلسطينية، وذلك أمر مبارك، إلا أن التوجه إلى الشرطة في حالات إقدام الأزواج على العنف ليس مفهوما ضمنا، وذلك نظرا للغربة والنفور بين الفلسطينيين في القدس والقانون والسلطات الإسرائيلية، واعتراضهم عليها.

إن توجه المرأة الفلسطينية لتحقيق حقها بالحماية بموجب القانون يؤدي إلى شرخ بينها وبين مجتمعها، متمثلا بعائلة زوجها أولا وبعائلتها ثانيا. فالبقاء في بيتها الذي يوجد في أغلب الأحيان في قلب محيط عائلة زوجها يحوّل حياتها وحياة أولادها إلى جحيم من اللوم، والتنكيل الكلامي وحتى العنف الجسدي. وغالبا ما تعود بعد ذلك للسكن عند أهلها الذين هم أيضا لا يرون بتصرفها العمل المشرف، فلا يساندونها بل ينتقدونها ويعتبرونها بمثابة مصدر للـ"فضيحة" وبمثابة عبء عليهم. ففي أحسن الحالات، قد يشكل التوجه إلى الشرطة الإسرائيلية في نظر المجتمع الفلسطيني في القدس الملاذ الأخير، ويُتوقع الإقدام على إنهاء أي خلاف كان وفقا للأعراف المتبعة وللشريعة الإسلامية.

أما بالنسبة لحل النزاعات الزوجية حسب الأعراف المتبعة، فإن المشكلة الأساسية التي تواجه النساء الفلسطينيات المعنفات هو عدم قدرتهن على التواجد في أي حوار قد يتم بقضاياهن الشخصية. بل عادة ما ينوب عن المرأة رجل يمثلها في المجالس العشائرية. وعليه فإن توجّه المرأة للقانون الإسرائيلي وعدم لجوئها إلى رجال عائلتها يسبب خسارتها أقرباءها أولا، وزوجها وأهله ثانيا. هكذا، قد تتمكن المرأة من الحصول على حقها مقابل الرجال المعنفين وفقا للقانون، لكنها تدفع بالمقابل ثمنا باهظا في إطار حياتها الاجتماعية، ولذلك فهي دائما محصورة "بين نارين" وتبقى بمثابة الضحية حتى بعد تحقيق حماية القانون لها.

إضافة إلى كل ما سبق، نجد أن إحدى الظواهر المذهلة التي تحصل مؤخرا في القدس الشرقية هو تطبيق السلطات الإسرائيلية المشدد للقانون ضد الرجال المعنِّفين للنساء. في حين أنه إذا اشتكت نفس المرأة ضد نفس الشخص بتهمة جنائية، والتي لا تندرج ضمن العنف الأسري أو التحرش الجنسي (أي في قضايا كالمخدرات والسرقة وما شابه)، فإن تجاوب الشرطة الإسرائيلية في القدس عادة ما يكون بطيئا وقليلا بشكل غير وافٍ.

 .

* يرتكز هذا المقال على محاضرة ألقتها المحامية نسرين عليان من جمعية حقوق المواطن ضمن مؤتمر "النساء، والحقوق والقوانين" الذي عقدته جمعية "نساء ضد العنف" في الناصرة.


[1] تقرير الجهاز التربوي في شرق القدس، مركز البحوث والمعلومات في الكنيست، 16 تشرين الأول 2006، ص 13 [بالعبرية].

Share and Enjoy:
  • LinkedIn
  • Twitter
  • Facebook
  • Print
  • email

קטגוריות: الإقامة والهويات, التربية والتعليم, حرية الحركة وجدار العزل, حقوق سكان القدس الشرقيّة, مواضيع أخرى

مفتاح :.

סגור לתגובות.